السيرة الذاتية للدكتور عبدالواسع الحميري شعار منتدى الناقد العربي
 
 
 

الإصلاح السياسي.. وصراع القوى !!
 
ا.د عبد الواسع الحميري
نحاول في هذه المقالة الإجابة عن سؤال الإصلاح السياسي المطروح في الساحة الوطنية والمتداول: أي النظامين السياسيين أصلح لليمن في المرحلة القادمة: النظام الرئاسي؟ أم النظام البرلماني؟ أم النظام الذي اسمي بالهجين؟!
غير أني أود أن أشير, في البداية إلى أني لست سياسيا, ولا من المختصين في علم السياسة, ولذلك فانا اعتقد أن طرح مثل هذا السؤال على شخص مثلي, لن يكون مفيدا كثيرا للقارئ, وبخاصة حين يطرح بهذه الصيغة(صيغة المفاضلة) التي غالبا ما تغرينا بتبسيط القضايا وتسطيحها والنظر إليها من خارجها أو من زوايا جزئية أو هامشية, أو من منطلق أننا نريد أن ندعم موقف هذا الطرف أو ذاك, دون اعتبار للقضية المطروحة للنقاش وإعطائها ما تستحق من الدراسة والتحليل العلمي الدقيق والموضوعي, بعيدا عن الانفعالات والعواطف.
هذا على أننا نعلم أن طرح السؤال بهذه الصيغة قد جاء على خلفية الصراع على السلطة بين قوى سياسية كانت في السلطة وتمتعت ببعض خيراتها, ثم حرمت من مغانمها, ما جعلها تشعر بالغبن والحرمان, بعد إقصائها عن مواقع السلطة, فاندفعت إلى تبني النظام البرلماني بديلا عن النظام الرئاسي الذي شعرت انه قد أسهم في عملية إقصائها وحرمانها من خيرات السلطة, لذلك وجدنا هذه القوى تندفع إلى تبني هذا النظام لشعورها انه قد يوفر لها الحد الأدنى من مقومات المشاركة في السلطة وتقاسم غنائمها.
لذلك فانا اعتقد أن من شان طرح مثل هذه القضية الوطنية للنقاش في مثل هذه الأجواء المحمومة وغير الصحية, انه لن يسهم في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء أو الوصول إلى رؤى ناضجة بخصوص هذا الموضوع, بل ربما زاد من حدة التوتر بين الفرقاء, وزاد الأمور تعقيدا, إلا إذا أحسنت هذه القوى الظن فيمن يتدخل برأيه حول هذه القضية الوطنية الخطيرة, وبخاصة حين يكون هذا المتدخل ممن ليسوا"مع" أو" ضد", بل مع المصلحة العليا للوطن و متطلبات أمنه واستقراره, وتسلحت هذه القوى بالتالي, ببعد النظر الذي يحتم عليها الإصغاء والحوار مع كل الآراء المطروحة في الساحة الوطنية, بخاصة حين تأتي تلك الآراء من أشخاص عرفوا بوطنيتهم, وإخلاصهم وتضحيتهم من اجل الوطن, واحترامهم لكل القوى الموجودة في الساحة.وهذا ما نؤمله في تلك القوى جميعا. فنحن نعتقد أن هذه القوى قد تعلمت الكثير, وصارت أكثر قدرة من أي وقت مضى, على استيعاب الرأي الآخر ومحاورته سعيا إلى الاستفادة منه فيما تطرح من أفكار ورؤى.
لذلك فاني أعود بعد هذه المقدمة الطويلة لأقول بخصوص السؤال المطروح الذي أود تحويره ليصبح بالصيغة المعدلة الآتية:
أيهما أصلح لليمن في هذه المرحلة من حياة المجتمع اليمني على الأقل: تجريب الأنظمة السياسية؟ أم استقرار النظام السياسي بصيغته الحالية, و العمل على إصلاحه من داخله, أو من داخل مؤسساته القائمة يصيغتها الحالية؟! وأين كانت هذه القوى المطالبة اليوم بعملية إصلاح هذا النظام عندما اقر الدستور الحالي الذي اقر النظام السياسي بصيغته الحالية(الرئاسي)؟ الم تشترك هذه القوى حينها بإقرار هذا النظام عبر إقرار الدستور؟ وإذا لم تكن قد اشتركت في إقرار هذا النظام الحالي, فلماذا إذن لم تتخذ موقفا منه حينها؟ أو على الأقل, لماذا لم تسجل تحفظا على هذا النظام يحفظ لها مصداقيتها عندنا نحن المواطنين البسطاء ويجعلنا نصدق فعلا بأنها قد باتت بالفعل غير مقتنعة بصلاحيته في حكم البلاد والعباد؟!
وعلى فرض أن هذه القوى المطالبة بتغيير هذا النظام أو بضرورة استبداله بالنظام البرلماني قد انطلقت من قناعات وطنية راسخة بعدم صلاحيته وعدم جدوى بقائه بصيغته الحالية. فان السؤال الذي علينا طرحه على هذه القوى:
ولكن كيف بنت هذه القوى قناعتها هذه ؟ أو بتعبير آخر: ما الذي دعا هذه القوى إلى تغيير قناعتها إزاء هذا النظام الذي سبق لها أن أسهمت في علمية إقراره, بهذه السرعة, وبهذه القوة والصرامة؟ نقول بهذه السرعة؛ لأننا نعلم انه لم يمض على إقرار الدستور الحالي الذي شرَّع لهذا النظام أكثر من عقد من الزمان تقريبا, ونحن نعلم أن عملية تقييم صلاحية أي نظام سياسي من عدمه, يتطلب وقتا كافيا يحصل خلاله الاستقرار الكافي للحكم عليه بالإيجاب أو بالسلب. ونقول بهذه القوة والصرامة, لأننا قد بتنا نعلم- من قراءتنا لمواقف هذه القوى- أنها قد باتت تراهن على إصلاح جميع الأوضاع المختلفة(الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية..الخ) انطلاقا من إصلاح هذا النظام, أو لأن إصلاح النظام السياسي-في منظور هذه القوى-قد بات يمثل مفتاح الحل لكل مشكلات الوطن وخيارها الوحيد لإنقاذ الوطن ومستقبل أبنائه من هاوية السقوط المحقق في الفوضى-حسب قولها- إن هو لم يأخذ بخيارها هذا في الإصلاح الشامل.
كيف بنت هذه القناعة الجديدة؟ وعلى أي الأسس بنتها؟ هل قامت بإجراء دراسات علمية ميدانية تقييمية لايجابيات وسلبيات النظام الحالي؟ أو بتعبير آخر : هل استندت في قناعتها هذه إلى معطيات علمية واقعية موضوعية في حكمها بعدم صلاحية النظام السياسي بصيغته الحالية؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد فرضية قائمة على الحدس والتخمين, أو مجرد تكتيك في مواجهة النظام الحالي الذي تتهمه باحتكار السلطة لصالح حزبه؟!
على أن ما أثار لدي هذه التساؤلات وتساؤلات أخرى كثيرة غيرها ليس فقط ما نعرفه من ارتجالية في التعامل مع قضايا الوطن واعتماد مبدأ الفعل ورد الفعل بعيدا عن الهدوء والموضوعية, بل أيضا ما قرأته في تلك الوثيقة المشروع التي أسميت ب" مشروع اللقاء المشترك للإصلاح الشامل" وما اوحت لي به من رهان لا يمتلك الحد الأدنى من مقومات النجاح.
هذا فضلا عن أن قضية الإصلاح السياسي بالمعنى المحدد آنفا لم تبرز إلا مؤخرا, أي بعد انتخابات 99م, أي منذ أقصي احد الشركاء الأساسيين من مواقع السلطة(وهو الإصلاح) وتم الاستفراد بها من قبل الحزب الحاكم. وهو أمر من شانه انه قد يكشف من بعض الوجوه عن مغزى هذا التحول في موقف قوى المعارضة الرئيسة, وبخاصة تلك القوى التي شاركت في إقرار الدستور الحالي لتصبح اليوم من أكثر القوى إصرارا على ضرورة تغييره باتجاه ما يسهل لها علمية الوصول إلى السلطة.. ذلك أنها لما كانت هذه القوى شريكة في السلطة أقرت الدستور الذي اقر ذلك النظام الرئاسي, وبمجرد خروجها من السلطة صارت تطالب بتغيير ذلك النظام, ما يؤكد أن مطالب هذه القوى بتغيير هذا النظام إنما يندرج في إطار الصراع على السلطة وإرادة الوصول إليها, أي باعتبارها إحدى الآليات التي تسهل لهذه القوى مهمة الوصول إلى السلطة, ذلك أنها قد باتت تعي أن النظام الرئاسي –بشكله الحالي-قد بات لا يسمح بتقاسم غنائم السلطة بين الأطراف الفاعلة في الساحة السياسية فضلا عن تبادلها كليا بشكل سلمي, ما يعني أن هذه القوى قد باتت تعي أن النظام الرئاسي-بشكله الحالي-قد صار يمثل نفيا لها عن ساحة المشاركة في السلطة واقتسام خيراتها؛ فهو ينفي إمكانية التبادل تماما كما ينفي إمكانية الاشتراك والتقاسم, انه-حسب هذه القوى- نظام يمركز سلطات الدولة في يد شخص واحد, هو شخص( رئيس الدولة), بما يترتب عليه من تكريس واقع الفساد والاستبداد-على حد تعبير هذه القوى-بجعله السلطة حكرا في يد قوة سياسية واحدة هي القوة التي ينتمي إليها رئيس الجمهورية, ويعمل على تنفيذ برنامجها خلال فترة رئاسته.
ما يعني أن الإلحاح على المطالبة بالإصلاح السياسي من لدن هذه القوى, وفي ظل ظروف معاناة التهميش والإقصاء, إنما يأتي في سياق الصراع على السلطة من اجل السلطة, وليس من اجل الوطن, أي سعيا إلى تقاسم السلطة أو المشاركة فيها, هذا باعتبار النظام الرئاسي وفق تصور هذه القوى, قد بات يمحور السلطة في يد رئيس الجمهورية ويسمح له بالاستئثار بها والعمل على احتكارها دون القوى الأخرى الموجودة في الساحة. في حين يتيح النظام البرلماني إمكانية التشارك في السلطة أو بالأحرى إمكانية تقاسمها بين الأحزاب ذوات الكتل البرلمانية في مجلس النواب, كلا بحسب ثقله في المجلس ,فضلا عن انه يتيح لهذه القوى إمكانية تبادلها للسلطة سلميا, أو لنقل انه نظام من شانه انه يجعل أمر التبادل السلمي للسلطة ممكنا, فان لم فأمر التقاسم والمشاركة, على الأقل.
هذا على انه لا يجوز أن يفهم من مجمل تساؤلاتي الاحتجاجية السابقة- وما قررته في هذه السطور الأخيرة بخصوص موقف قوى المعارضة الرئيسية من مسالة الإصلاح السياسي- أني ضد فكرة البحث في هذه القضية من حيث المبدأ, أو أني ارفض طرحها للحوار والنقاش على مختلف الأطراف, أو أني قد صرت أصادر على تلك القوى السياسية المعارضة-وبخاصة تلك التي حاولت سرد مواقفها- حقها في النضال السلمي المشروع من اجل الوصول إلى السلطة, واقتسامها أو تبادلها مع القوى الأخرى التي هي الآن في السلطة بشكل جزئي أو كامل, شريطة ألا يكون ذلك على حساب المصلحة العليا للوطن, وضمان أمنه واستقراره- وكل ما أردت التأكيد أن أقوله في سياق كلامي هذا: إن مثل هذه القضايا الوطنية الكبرى لا يجوز المغامرة فيها أو تناولها بمثل هذه البساطة, أو السطحية, أو التسرع فيها و إطلاق الأحكام لصالح هذا الطرف أو ذاك دون بصيرة أو روية, بل يجب طرحها على بساط البحث والنقاش بين يدي باحثين مختصين في الشأن السياسي والاجتماعي والثقافي اليمني, في ندوات علمية متخصصة يجب أن تكرس لدراستها وتحليلها بصورة شاملة ومعمقة, وهذا ما سنعمل-بحوله تعالى- على القيام به في منتدى الناقد العربي في القادم من الأيام, و بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة, وبمشاركة كافة القوى والفعاليات الوطنية.
هذا وإذا كنت قد أبنت حتى الآن, عن موقف قوى المعارضة من هذه القضية و خلفية هذا الموقف-كما تبدى لنا من خلال سلوكها وممارساتها-فاني أود أن أشير في هذه العجالة إلى أنني أنا شخصيا لا زلت مقتنعا بصلاحية شكل النظام السياسي الحالي(الرئاسي-البرلماني) على الأقل في المرحلة الراهنة من تطور المجتمع اليمني, وان كنت أود التأكيد على بعض القضايا والحقائق التي اعتقد أنها ستسهم في التخفيف من حدة التوتر الحاصل الآن في الساحة بين قوى السلطة والمعارضة, و تعزيز ثقة المواطن اليمني بشكل عام-أو بغض النظر عن انتمائه- بهذا النظام وديمومة صلاحيته, ومن تلك الحقائق التي أود التأكيد عليها هنا, تلك الحقيقة المتعلقة بموقع رئاسة الجمهورية في هذا النظام وما ينبغي أن يمثله من رمزية وطنية في وعي كل مواطن يمني دون استثناء.
فحتى لا يتحول موقع رئاسة الجمهورية(وهو أعلى موقع في هرم السلطة) إلى ساحة لصراع الإرادات وتناحر القوى الطامعة في السلطة, نعتقد انه يجب العمل على استقلالية هذا الموقع وعدم تبعية من يشغله لأي حزب من الأحزاب أو لأية قوة من القوى السياسية المتنافسة في الساحة الوطنية. ما يحتم على من يشغله-في اعتقادنا- أن يلعب دور الحكم في صراع القوى المتنافسة في الساحة, لا أن يصبح طرفا في صراع تلك القوى, يجب في هذا الموقع أن يبقى موضعا لتمثيل إرادة كل اليمانيين في السلطة وإدارة شؤون الدولة اليمنية الحديثة؛ دولة النظام والقانون, ولا يصح أن يصبح موقعا لتصارع إرادات اليمنيين , أو موقعا لتمثيل إرادة فئة أو مجموعة أو شريحة أو حزب أو حتى إرادة الأغلبية من اليمنيين, خاصة وان المجتمع اليمني لا يزال مجتمعا قبليا عشائريا لم تنضج تجربته الديمقراطية بعد, ولم يتعود بعد على ممارستها بشكل فعلي .
لذلك فنحن نعتقد انه ما لم يتم تمثل الفكر الوطني الميثاقي الذي جسد –نصا وروحا-طموح وإرادة القيادة الوطنية ممثلة في القائد الرمز علي عبد الله صالح في لحظة تاريخية حاسمة من حياة شعبنا, والتعامل مع هذا الموقع بوصفه –بحق وحقيقة, وكما كان قد وعاه هذا القائد ونظَّر له في مطلع الثمانينات عندما سعى إلى إقرار الميثاق الوطني-رمزا للسيادة الوطنية, و للوحدة الوطنية, ولسيادة النظام والقانون, ورعاية مصالح جميع اليمنيين,و هذا يتطلب في تقديرنا النأي (نظريا وعمليا)بهذا الموقع عن ساحة التصارع الحزبي؛ باعتبار أن ما هو مطلوب من رئيس الجمهورية هو أن يكون محل ثقة كل جماهير الشعب اليمني , وان يكون محل ثقة كل جماهير الشعب اليمني, فهذا يقتضي أو يتطلب منه ألا يكون منحازا لهذا الطرف السياسي أو ذاك, أو ألا يكون-على الأقل-محسوبا على هذا الطرف أو ذاك, وهذا يتطلب منه أن يتخلى قولا وعملا عن كل انتماء حزبي(بمجرد ترشحه للرئاسة) بحيث يصير انتماؤه لليمن كل اليمن, نقول هذا انطلاقا من وعينا العميق بطبيعة المجتمع اليمني الذي لا يزال-شانه في ذلك شان باقي المجتمعات العربية الأخرى- ينظر إلى السلطة بوصفها-كما يؤكد ذلك ابن خلدون- رمزا للغلبة والقهر؛ قهر القوة السياسية الغالبة للقوة السياسية المغلوبة, ومن ثم بوصفها رمزا للسيطرة والتملك؛ تملك القوة السياسية الغالبة لمقاليد الأمور في البلاد وحقها في تصريف الأمور كما تشاء لتحقيق أهدافها التي تشاء, ما رتب على هذا الوعي النظر إلى السلطة بوصفها مغنما لا مغرما.
وعليه فما دمنا نعي مسالة السلطة بهذا الشكل, أو على هذا النحو, فإنني اعتقد جازما أن الصراع على السلطة سيستمر وسيزداد حدة وشراسة , وان الوطن ووحدته ومستقبل أبنائه قد يصبح-لا قدر الله- ضحية هذا الصراع الأعمى على السلطة, لذلك فانا اعتقد انه ما من طريق للتخفيف من حدة هذا الصراع أو تلطيفه على الأقل, إلا طريق واحد وحيد: أن تقدم قيادتنا السياسية الحالية ممثلة في فخامة الأخ رئيس الجمهورية علي عبد الله صالح(وهي القيادة التي تحلت دوما بالشجاعة وإرادة التضحية من اجل الوطن) على اتخاذ خطوة جريئة يعاد خلالها النظر بهذا الموقع(موقع رئيس الدولة) وبما يعزز من ثقة كل المواطنين اليمنيين به, ويخرس كل الألسنة, ويحفظ, في الوقت نفسه, لرئيس الدولة مكانته وهيبته في نفوس كل مواطنيه؛ أكانوا في السلطة أم في المعارضة, أم خارج إطار السلطة والمعارضة, وبما يجعله قادرا على أداء دوره المنوط به دستوريا, وهي المكانة ذاتها التي حددها له الميثاق الوطني الذي حدد موقفه من هذه المسالة بشكل صارم حين قال واضعا النقاط على الحروف بخصوص ما ينبغي ان يكون عليه موقع رئاسة الدولة(الميثاق الوطني ص157 المؤتمر الشعبي العام في مرحلة التأسيس):" ورئاسة الدولة-بما ترمز إليه من معان عظيمة-هي عامل التوازن والاستقرار والانسجام, سواء في نطاق السلطات والمؤسسات الدستورية والحكومية, أو في نطاق الفئات والمنظمات الجماهيرية, وهذه مهمة من أعظم المهمات, وهي في أدائها هذه المهمة, وفي ممارستها مسؤولياتها طبقا لقواعد الدستور, تؤدي أعظم عمل يخدم المصلحة العليا للوطن, وهو حماية الدستور وترسيخ قواعد الديمقراطية.
على أن ما يعزز من قناعتنا هذه, ويدفعنا ليس فقط إلى التفاؤل, بل إلى الاعتقاد بان قيادتنا السياسية قد باتت واعية بأهمية الإقدام على مثل هذه الخطوة الإصلاحية الجريئة والشجاعة التي من شانها أن تخرس الكثير من ألسنة الحاقدين, وان تضع حدا لتطاول الكثير من المتطاولين, وان المسالة لا تعدو أن تكون مسالة وقت لا أكثر- جملة المواقف والأفكار والرؤى التي عبر عنها فخامة الأخ رئيس الجمهورية علي عبد الله صالح في الفترة الماضية, على الأقل منذ بادر بإعلانه عدم رغبته في الترشح لولاية رئاسية ثانية في 17يوليو 2005م, إلى أن أعلن عدوله عن ذلك القرار في مايو الماضي 2006م تحت ضغط الجماهير المحتشدة في ميدان السبعين ومطالبتها إياه بالعدول عن ذلك القرار, فمن يقرا في أفكار الرجل وتصرفاته ومواقفه التي عبر عنها صراحة أو ضمنا خلال خطاباته ومقابلاته التي كان آخرها قبل أيام قليلة عندما قالها بكل صراحة ووضوح وهو يتحدث إلى أبناء محافظة الجوف:" أنا رئيس لكل اليمنيين, ولست رئيسا لحزب أو فئة أو طائفة..أو الخ.وكان قد قالها قبل ذلك وبنفس القوة والصراحة من على منبر جامعة الإيمان, وقبل ذلك قالها في قاعة 22 مايو وهو يخاطب أعضاء وقيادات حزبه(المؤتمر) في مايو الماضي-أقول أن من يقرا أفكار الرجل وجملة المواقف التي أقدم على اتخاذها بدءا بمبادرته المشار إليها وإعلانه عدم رغبته في الترشح لولاية رئاسية ثانية وما صحبها أو لحقها من مواقف, لا يسعه إلا أن يسلم بان الرجل قد بات يدرك الخلل الحاصل جراء التباس علاقاته كرئيس للدولة بالقوى السياسية الموجودة في الساحة الوطنية, وظن البعض من هذه القوى-بحكم مرونة الدستور-بان الرئيس قد صار تابعا لبعض هذه القوى دون القوى الأخرى, أو بأنه قد صار يمثل إرادة ومصالح فئات أو جماعات على حساب مصالح باقي فئات الشعب الأخرى, ما جعله يرفض هذا التصنيف الخاطئ, ويعلن انتماءه إلى الجماهير اليمنية كل الجماهير اليمنية دون تمييز أو استثناء.
لذلك فنحن نقرا في مبادرته التي كان قد أعلن خلالها عدم رغبته في ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثانية تعبيرا عن موقف الرفض وإرادة التجاوز؛ رفض الأخ الرئيس حالة الاستقطاب الحزبي التي كادت تطاله هو شخصيا كرئيس للدولة ورمز لسيادة الوطن واستقراره, وتصادر حقه في رعاية مصالح كل اليمنيين دون استثناء, فضلا عن رفضه واقع القوى المتصارعة على السلطة بشكل عام, و رغبته في العودة إلى صفوف الجماهير كل الجماهير من جديد.
لقد أراد بقراره الشجاع ذاك, أن يسترد مكانته في قلوب ونفوس جماهير الشعب التي أحبته والتفت حول قيادته, وان ينأى بنفسه عن حالة التصارع والتناحر التي تعيشها تلك الأحزاب والقوى مجسدا بذلك حرصه على إقامة علاقات متوازنة مع كافة الفعاليات والقوى دون استثناء, وبما يمكنه من رعاية مصالح الجميع دون استثناء, أو دون انحياز لطرف دون آخر, وعدم السماح لأي كان باستغلال السلطة التي يمثلها في إزاحة الآخرين, أو في الإثراء وتحقيق المصالح الخاصة.
قد يقول قائل: لكن كيف يقال هذا والدستور يسمح له بل يمنحه كل الحق في أن ينتمي إلى هذا الحزب أو ذاك؟! وهنا أجدني مضطرا إلى القول: إن هذا صحيح على الصعيد النظري, ومن حق الرئيس دستوريا-أن يكون حزبيا أو أن ينتمي إلى حزب, غير أن الأخ الرئيس لاعتبارات وطنية محضة قد رأى أن وضع المجتمع اليمني , في هذه المرحلة على الأقل-لا يطيق مثل هذا الاستحقاق الدستوري, وان عليه بما الأمر قد صار كذلك, أن يتخلى عن هذا الاستحقاق, وان يتخذ هذا الموقف المحايد أو غير المنحاز(موقف اللا منتمي) كي يتمكن من كسب ثقة جماهير الشعب بكافة أطيافها وأطرافها, وقيادتها صوب أهدافها المنشودة, خاصة وانه لم يبق لفخامته سوى استحقاق انتخابي واحد .
لقد أراد الأخ الرئيس بتلك المبادرة أن يمهد السبيل لمرحلة رئاسية قادمة ينتظر خلالها الشعب انجاز الكثير من الآمال والتطلعات, وتجاوز الكثير من العقبات والصعوبات, خاصة مع شعوره بعجز القوى السياسية المتصارعة في الساحة عن التعاطي مع قضايا الواقع الوطني الملموس بوعي وبمسؤولية ما جعل هذه القوى تخلط بين الخاص والعام, بين ما هو حزبي وما هو وطني, لقد أدرك-ببصيرته النافذة- بان هذه القوى قد باتت تشكل –بسلوكها وممارساتها-خطرا على الوطن ووحدته.
كما أراد فضلا ذلك أن يوقظ النائمين أو الحالمين بنوم عميق في حزبه الحاكم(المؤتمر )بان هناك استحقاقات مستقبلية وان عليهم تحمل مسؤولياتهم إزاء مستقبل أمتهم ووطنهم؛ لان علي عبد الله صالح في المرحلة القادمة لن يكون لهم حيث كان في المرحلة السابقة, أو حيث أملوا دائما(لقد أبلغتكم قبل 11 شهر وأربعة أيام بأنني سأتخلى عن السلطة, ليست مفاجأة؛ لا لكم كمؤتمرين؛ ولا للشعب اليمني على الإطلاق, قبل 11 شهرا وأربعة أيام أبلغتكم أنني لن أرشح نفسي للرئاسة وسأتخلى عن السلطة وأسلمها للشعب" هكذا قالها علي عبد الله صالح صريحة مدوية لكن دون أن يستوعب إبعادها احد كما بدا للجميع.
وفضلا عن ذلك فإننا نعتقد أن علي عبد الله صالح قد أراد بمبادرته تلك خيرا: مبادأة القوى السياسية التي ملأت الساحة الوطنية ضجيجا وعويلا, بكل أطيافها وأطرافها بما فيها بعض القوى النافذة في حزبه(المؤتمر الشعبي العام) الذي غرق في الفساد , وجنى عليه الكثير من الإحباط والخيبة, وذلك ليلفت نظر هذه القوى إلى استحقاقات المرحلة القادمة من حياة شعبنا, وليضعها جميعا أمام مسؤوليتها التاريخية إزاء ما يجب عليها أن تفعله أو أن تستعد-على الأقل- لفعله في المرحلة القادمة ,في سبيل تحقيق أهداف جماهير الشعب في بناء مستقبل امن ومستقر, هذا من جهة, و ليكتشف –من جهة أخرى -مدى قدرة هذه القوى المتصارعة في الساحة على التأثير والفعل في حياة الجماهير اليمنية وقيادة مسيرة البناء التنمية في حال أتيح لها تسلم زمام القيادة من بعده , ليس هذا فحسب بل إني اعتقد جازما أن الأخ علي عبد الله صالح قد أراد بمبادأته تلك أن يكشف عن زيف هذه القوى المتصارعة جميعا, وان يعريها لجماهير الشعب اليمني التي أعلن صراحة انحيازه لها-ليثبت لتلك الجماهير أن هذه القوى المتصارعة ليس لها مشروع حقيقي في التغيير, ولذلك فهي لا تتحلى بإرادة حقيقية تمكنها من فعل شيء حقيقي يصب في مصلحة جماهير الشعب, بدليل موقفها السلبي من مبادرته التي فأجا بها الجميع دون استثناء؛ فنحن نعلم أن هذه القوى بكافة أطيافها وأطرافها لم تتعامل بوعي وبمسؤولية مع مبادأة الأخ الرئيس لها؛ لقد انفعلت بتلك المبادأة ولكنها لم تتفاعل معها بشكل جدي أو ايجابي, ما أوحى لفخامته بأن هذه القوى غير جادة في ما تقول أو ترفع من شعارات , وأنها –بالتالي-ليست أهلا لان تقود, أو لان تشارك في قيادة المسيرة من بعده, لقد أصبحت عبئا عليه وعلى الوطن في الوقت نفسه, لذلك رأيناه يتبنى-بشكل واضح وصريح-دعوة تلك القوى إلى إعادة تأهيل نفسها بما يجعلها قادرة على تحمل مسؤوليتها الوطنية والمشاركة في قيادة مسيرة البناء والتنمية,معلنا للجميع أن مدرسته(في تعلم الديمقراطية وترسيخ قواعد السلوك الديمقراطي السلمي)التي عمل على تأسيسها منذ تسلمه قيادة البلاد عام 78م مفتوحة أمام الجميع, وان بإمكان كل القوى السياسية الالتحاق بها والتعلم منها قواعد السلوك الديمقراطي, وإعادة تأهيل نفسها بما يجعلها قادرة على تحمل المسؤولية الوطنية والإسهام بفاعلية في قيادة مسيرة التنمية والبناء, ومؤكدا في الوقت نفسه انه قد تم انجاز البنية التحتية للبناء الديمقراطي, و من ذلك:
-تهيئة الملعب السياسي للقوى السياسية المتنافسة على السلطة بما فيها القوة المؤتمرية, وذلك من خلال:
1- تهيئة البنية القانونية والدستورية(تحديد قواعد اللعبة), وقد حصل هذا بتمامه وكماله منذ 22 مايو 90م وحتى اليوم.
2 - وتهيئة وإعداد لاعبين في المستقبل(تصعيد قيادات جديدة .. تبدأ بتجارب بسيطة في الإدارة والحكم(ينظر: خطاب الأخ الرئيس المشار إليه), يتميزون بخلوهم من فيروس الطائفية ومن فيروس العنصرية والمناطقية, أي من فيروس التمييز بين أبناء الشعب اليمني الواحد الموحد بكل أشكاله (المهم أن نحافظ على هذه التجربة , وألا يحصل خلل...في المستقبل...فكلنا نرفض الطائفية ونرفض العنصرية ونرفض المناطقية, كلنا تجمعنا كاسرة يمنية واحدة... في المؤتمر وفي الأحزاب الأخرى, كلنا لنا شعار واحد" يمن موحد ديمقراطي).


 

الإصلاح السياسي.. وصراع القوى !!


 

القوى السياسية : واقع الحال
والمحال

مقابلة صحفية مع رئيس المنتدى


 

الانتخابات الرئاسية... وسؤال المرحلة الراهنة!!